حيدر حب الله
271
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
هذا كلّه مبنيّ على أنّ السفع يراد به الجذب الشديد ، أمّا لو فسّرناه بمعناه الآخر في لغة العرب ، وهو الضرب حتى يسودّ الشيء ، مثل قولنا : سفعته الشمس ، فسوف يصير المعنى أنّ الله سوف ينزل ضرباً عليه بناصيته ، وعلى مقدّم رأسه ووجهه ، وهو تعبير عن شدّة العذاب والإذلال أيضاً . رابعاً : إنّ توصيف الناصية بأنّها كاذبة خاطئة يمكن تفسيره وفق قواعد المجاز في لغة العرب ، بعلاقة الكلّ والجزء ، فالناصية جزء أساس من الإنسان ، وهي مقدّم شعر الرأس المسؤول عن التفكير ، فيصحّ توصيفها بالكاذبة والخاطئة ، تماماً كقولنا : اعتق رقبة ، ونقصد أن يعتق إنساناً . ويشترط في المجاز بعلاقة الكلّ والجزء أن يكون الجزء القائم مجازاً مقام الكلّ جزءاً أساسياً من الكلّ ، مثل الرقبة من الإنسان ، والرأس منه أيضاً ، فمن الناحية البلاغية لا يوجد أيّ محذور في التفسير الذي قدّمه العلماء هنا ، بأن اعتبروا أنّ المراد من الناصية هو صاحبها ، كما أنّ المراد من الرقبة هو الإنسان كلّه الذي يراد تحريره من الرقّية ، وليس من مشكلة في هذا الضرب من المجاز من وجهة نظري إلا أنّ الناصية لو فسّرت بالشعر نفسه الذي على مقدّم الرأس فلن يكون الشعر جزءاً أساسيّاً من الإنسان فلا يصحّ معه مثل هذا المجاز ، تماماً كما لا يصحّ أن تقول : اعتق إصبعاً ، وتريد بالإصبع الإنسان كلّه ؛ لأنّ الإصبع ليس جزءاً أساسيّاً من الإنسان يقوم به الإنسان ويحيا ، أمّا لو فسّرت بمقدّم الرأس - دون خصوص الشعر الذي على المقدّم - فيصحّ هذا المجاز بلا إشكال . ولعلّه لهذا يظهر من ثنايا تفاسير أخرى أنّ هناك حذفاً واستبدالًا وتقديراً ، أي لنأخذن بالناصية أخذاً شديداً ، فصاحبها كاذب خاطئ . وهذا كلّه يعني أنّ التفاسير التي قدّمها العلماء لها مبرّراتها اللغوية والبلاغية .